العاملي
385
الانتصار
وفي السرادقات ، والمقاهي المتنقلة ، وحول السيرك ، ترتفع دقات الدفوف ونغمات الربابة ، وإيقاع الطبول ، وأصوات المطربين والمنشدين ، وتهتز القلوب وتمتلئ بالبهجة العريضة . . وترتفع الأصوات من حناجر الألوف ممتلئة بالحب الحقيقي تنادي : يا رئيسة الديوان . . ! إن السيدة زينب رئيسة الديوان . . رمز لشئ عميق الدلالة ، إنها المرأة الباسلة الشجاعة التي ظلت تضمد جراح الرجال في معركة كربلاء من أبناء بيت الرسول وأتباع الحسين ، حتى سقطوا جميعا صرعى بين يديها . لم يرهبها جنود يزيد بن معاوية الأنذال السفاحون ، الذين اقتلع حكم يزيد الباطش المطلق من نفوسهم آخر خيط يربطهم بالإنسانية . . فكانوا يقطعون بسيوفهم رقاب الأطفال أمام السيدة زينب ، ورأتهم يبقرون بطن غلام من أبناء الحسين ، فلم يزدها ذلك إلا بسالة وتماسكا ورغبة في النصر . ورأت أخاها العظيم الباسل الحسين بن علي وقد وقف بمفرده أمام جنود يزيد وهو يرفض التسليم ، وراح يقاتلهم بعد أن استشهد كل أتباعه وأهله . . ما عدا ولده زين العابدين الذي كان مريضا ، ونائما في حضن عمته زينب ، فتركوه ظنا منهم أنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة من المرض . . لكنه عاش . . وكان شوكة في عين الدولة الأموية ، تلك الدولة التي أقامها معاوية بالدس والشر ، والتنكر لأعظم مبادئ الإنسانية في ذلك الزمان . . لرسالة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله . واندفعت زينب من خبائها نحو أخيها . . . تصيح : وا حسيناه . . ثم سقطت مغمى عليها من الحزن العميق . . كانت ترى في نهاية الحسين ، انهيارا لبناء هائل كبير أقامه جدها النبي في طول الأرض وعرضها ، ليخلص البشرية من انحطاطها واندفاعها نحو الفوضى والشر .